لقمة عيش مسمومة

“أيه ممكن تدفعيه قصاد ده يا عسل أصل مفيش حاجة ببلاش دلوقت”، الجملة السابقة كانت هي الرد على إحدى العاملات في مصنع بمنطقة برج العرب بالإسكندرية حين تقدمت إلى مديرها بطلب إجازة لظروف مرض ابنها الصغير، وعندما لم تستجب العاملة كان النتيجة أنها اضطرت إلى ترك العمل، هذا الموقف وغيره من المواقف المتكررة، يعكس مدى معاناة المرأة العاملة مع التحرش الجنسي في أماكن العمل.

فمع طلوع شمس كل يوم تتوجه 6 مليون و400 ألف امرأة مصرية إلى مقار عملهن المختلفة، يتعرض 68 % منهن إلى التحرش الجنسي في أماكن العمل، وتتنوع أشكال التحرش بدايةً من التحرش اللفظي مروراً بمحاولات اللمس والتقبيل بالإجبار، وصولاً إلى القيام بتمزيق الملابس وحوادث الاغتصاب، وذلك وفقاً لدراسة أكاديمية عن التحرش الجنسي بالمرأة العاملة، قام بها باحثان هما الدكتور طريف شوقي أستاذ علم النفس بجامعة القاهرة، والدكتور محمد هريدي أستاذ علم النفس المساعد بجامعة المنوفية.

يزداد الوضع مأساوية لكون الكثيرات من اللاتي يتعرضن للتحرش لا يعد العمل بالنسبة لهن أمر اختياري، فنظراً للظروف الاقتصادية السيئة في مصر، تخرج الكثيرات من النساء إلى سوق العمل تحت ضغط الفقر والحاجة إلى كفاف العيش، وبعض هؤلاء النساء العاملات هن بمثابة المعيل الوحيد لأسرهن، مما يترتب عليه وجود التزامات مادية ضرورية لا بد للمرأة في هذه الحالة من أن توفي بها. وتبلغ نسبة الأسر المصرية التي تعولها امرأة 34 % وفقاً لدراسة قام بها المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، وبعض هؤلاء الأسر يكون الزوج على قيد الحياة ولكنه غير راغب بالعمل ولا يتحمل مسئولية الأسرة، مما يدفع المرأة إلى النزول للعمل بضغط من الزوج المتكاسل.

والمثير للسخط أنه في كثير من الأحيان عندما تتعرض المرأة للتحرش وتقرر ترك العمل كحل لمعاناتها، تواجه في العمل الجديد نفس المعاناة مع اختلاف التفاصيل، فقد تعرضت إحدى العاملات للتحرش باللمس من قبل مدير المصنع مما أضطرها إلى تغيير عملها، وفي عملها الجديد تعرضت أيضاً للتحرش بالملاحقة المتكررة من رئيس العمال، مما جعلها تعيش في حالة نفسية يرثى لها.

وتجد المرأة العاملة نفسها في موضع ضعف في مواجهة هذه التحرشات المستمرة، وذلك لعدم وجود حماية قانونية أو نقابية فأغلب النساء العاملات يكن غير مثبتات في عملهن، وكثير منهن لا توجد عقود تعطي لهن الحق في مقاضاة صاحب العمل إذا ما قام بإجراء تعسفي ضدهن في حالة عدم الاستجابة للتحرش، وإذا ما تم اللجوء إلى الجهات الأمنية لا يؤخذ الأمر بالجدية الكافية، وفي نفس الوقت قانون التحرش الجنسي لا ينص على مواد تجرم التحرش الجنسي في أماكن العمل.
وتتحدث إحدى العاملات عما جرى لها حينما رفضت محاولة تحرش من رئيسها في العمل فتقول: “رئيسي ده لما لاقاني رفضت أروح معاه وبقيت أحترس منه بدأ يضيق عليا وبعدين خصم لي نص علاوة وحرمان نص علاوة ده يعني خراب بيوت لأن الحوافز بتروح والمرتب بيقل”، ولك أن تتصور الحالة الاقتصادية لهذه العاملة حين يقل مرتبها الذي هو في الأصل أقل من القليل.

وقد يتعدى رد فعل المتحرش إلى الفصل مثلما حدث لزميلة لها حينما اعترضت على قيام مشرف العمال، بالتحرش بها وقامت بفضحه وتقديم شكوى ضده، فما كان منه إلا أن قام بطردها وتعليق ورقة بمنعها من دخول المصنع مرة أخرى، وبذلك يكون المتحرش قد أوصل رسالة لبقية العاملات بأنه ليس أمامكن سوى خيارين أما قبول التحرش أو الفصل من العمل!

و ينظر المجتمع إلى بعض أنواع الوظائف التي تقوم بها النساء نظرة دونية مريضة يستمد منها الحق في التحرش بالنساء العاملات فيها، وفي مقدمة هذه الوظائف التمريض، ففي دراسة أجريت مؤخراً قام بها الباحث محمد سعيد الدكروري والذي يعمل كمعيد في قسم إدارة الأعمال بكلية التجارة جامعة المنصورة، توصل من خلالها إلى أن 80 % من الممرضات في المستشفى الجامعي بجامعة المنصورة يتعرضن للتحرش الجنسي أثناء عملهن بالمستشفى، وكان الهدف من الدراسة هو قياس العلاقة بين التحرش الجنسي والأداء الوظيفي وكانت النتيجة بالطبع تأثير التحرش سلبياً على أداء المرأة الوظيفي، ولكن المفاجأة لم تكن في النسبة التي توصل إليها الباحث بقدر ما كانت في رد فعل اللجنة المختصة بمناقشة الدراسة التي قدمها الباحث لنيل درجة الماجستير والمتمثل في إلغاء الرسالة، وهو الحل المعتاد في مواجهة الحقائق، باللجوء إلى دفن الرأس في الرمال، حتى ولو كان تحت هذه الرمال براكين ستتفجر في وجه المجتمع أجمع!

وبما إننا نعيش في المجتمع المصري حالة من السلبية بشكل عام وفي مواجهة ظاهرة التحرش بشكل خاص، أمتد أثرها إلى طريقة التعامل مع التحرش الجنسي في محيط العمل من قبل المحيطين بضحية التحرش، ففي بعض الأحيان يقوم الزملاء الذكور في العمل بمشاركة المدير التحرش بنفس الفتاة التي يتحرش بها من قبيل المجاملة، أو الضحك أثناء تحرشه بها، وفي أفضل الأحوال لا يبدي أحداً منهم رد فعل تجاه ما يفعل المدير، وذلك إتباعاً لقاعدة “عيش نملة تاكل سكر”.

والتحرش الجنسي في العمل لا يكون بدافع الغريزة الجنسية، بقدر ما يكون بدافع الرغبة في إثبات الرجولة بشكل خاطئ عن طريق السيطرة المريضة على الأنثى وممارسة السلطة بالاعتداء عليها، بدليل أن النسبة الغالبة لمن مارسوا التحرش كانوا متزوجين، وهذا يرجع بشكل أساسي إلى فكرة نسبة كبيرة من المجتمع المصري المشوهة عن المرأة في كونها كيان منتهك وجد من أجل أن يمارس عليها الرجل سلطاته الاستبدادية ويشبع بها رغباته الجنسية، ولذلك لا بد من تغيير الفكر كي يتوقف الفعل.

وتأتي عواقب التحرش بالمرأة العاملة في غاية الخطورة فمن المفترض أن نسبة غير قليلة من النساء العاملات يتطلب منهن القيام بتربية أبنائهن، وعليك أن تتخيل أي نفسية هذه التي ستقابل بها المرأة التي تعرضت للتحرش أبنائها وتقوم بدورها التربوي تجاههم، وكيف سيكون شكل تعاملها معهم، وهل ستنجح في كتمان غضبها وعصبيتها عنهم أم لا، وبالإضافة لذلك فغالباً ما تعاني المرأة التي تعرضت للتحرش من أعراض نفسجسمية تتمثل في: الشعور الدائم بالإرهاق وحدوث نوبات صداع متكررة، ورؤية كوابيس مزعجة، وقد يصل الأمر أحياناً إلى التفكير في الانتحار.

ولا يبقى سوى صرخات
كيف يمكن للبشر أن يحملوا كل هذا الشر، لماذا لا يساءل أي من هؤلاء على ما اقترفوه؟ هؤلاء الرجال سيستمرون أحرارا في عملهم يبحثون عن ضحيتهم التالية ولا يمكنني القيام بأي شيء حيال هذا.
لقد تربيت على أن المحسن يثاب والمسيء يعاقب، ولكني اكتشفت كذب هذه المقولة عندما واجهت الحياة، اكتشفت أن الأمر هو العكس وأشعر بالخيانة، أشعر بالغضب.. أشعر بالغضب.

الإمضاء
ضحية تحرش

مشاركة من عبد الرحمن أبو الفتوح و منقول من مدونة في عشق الكلمة

facebooktwitterlinkedin Sharing is Caring - شير في الخير

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *